ابن عرفة
227
تفسير ابن عرفة
دخول التبشير في معنى التفسير ، وقد يكون معطوفا على أمر مقدر يدل عليه المعنى فافعل كذا أو كذا كما قيل وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [ سورة مريم : 46 ] ، قال السكاكي : الأمر معطوف على قل مقدر ، قيل : يا أَيُّهَا وحذف القول كثير ، وقيل : معطوف على أمر محذوف تقديره نبشر ، كما قال الزمخشري : في وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا [ سورة مريم : 46 ] لدلالة لا رحمتك على التهديد . قوله تعالى : كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ . تقدم في قوله تعالى : هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ [ سورة الصف : 10 ] ، طلب الإيمان والجهاد بالأنفس والأموال ، وهذا هنا أكد لأن ذلك أمر بمطلق الجهاد والمجاهد قسمان : تارة يجاهد ليرفع العدو عنه ، وتارة يجاهد ليطلب النصرة عليه ، فهذا يكون قتاله وامتحانه في الحرب أشد من الأول ، فأمروا في هذه الآية بالجهاد لطلب النصرة ، وعبر بالفعل ليتناول الأمر كل من حصل مطلق الإيمان ، وكونوا المراد به الدوام ويستفاد ذلك من صيغة الأمر ، ومن لفظ كان ، فإن الباجي والمنطقيين نصوا على أنها [ . . . ] لما ذكروها في الروابط ، فجاءت الآية على الوجه الأبلغ لاقتضائها الثبوت والدوام على النصرة ، حتى كأنه وصف وأتى بخلاف قولنا : انصروا فإنه لا يقتضي إلا مطلق إدخال الفعل في الوجود ، ولا دلالة على اللزوم والدوام بوجه ، وقرئ أنصار اللّه بالإضافة ، وهو أبلغ من عدم الإضافة لأن نصرة اللّه أقوى من نصرة غيره ، وهذا مجاز واعتناء النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وبالمؤمنين ، فجعلت نصرتهم له كأنها لله ، مع أن اللّه تعالى هو فاعلها أو . . . . « 1 » عليها ، قال يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ [ سورة محمد : 7 ] ، فإن قلت : كيف عليه نصرتهم بقول عيسى ، قلت : هو تشبيه معنوي على حذف القول ، والتقدير : قلنا لكم ذلك كما قال عيسى ابن مريم للحواريين ، وأشار إليه أبو حيان ، وقرر الزمخشري التشبيه ، لأن معناه كونوا أنصار اللّه كما قال الحواريون : نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ ، حين قال لهم عيسى : مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ ، في التشبيه ، ولم يقل : انصروني فبادر الحواريون إلى امتثال ذلك ، والمؤمنون طلب منهم النصرة بلفظ الأمر المقتضي للوجوب ، فحقهم أن يبادروا إلى امتثال بل هم أجدر للمبادرة ، وقول الحواريون : نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ ، بالإضافة أبلغ من طلب عيسى منهم ، ومعناه نحن أنصار اللّه لك أو مع خلانك ، ولم قالوا : نحن أنصارك إلى اللّه لكان مفهومه أنهم لا ينصرون غيره إلى اللّه .
--> ( 1 ) طمس في المخطوطة .